الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
423
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الوفاة للأمة كمثل الحرة ، وليس في تنصيفها أثر ، ومستند الإجماع قياس مع وجود الفارق . وأما الحوامل فالخلاف فيهن قوي ؛ فذهب الجمهور إلى أن عدتهن من الوفاة وضع حملهن ، وهو قول مالك ، عمر وابنه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي هريرة ، وهو قول عمر : « لو وضعت حملها وزوجها على سريره لم يدفن لحلت للأزواج » وحجتهم حديث سبيعة الأسلمية زوج سعد بن خولة ، توفي عنها بمكة عام حجة الوداع « 1 » وهي حامل فوضعت حملها بعد نصف شهر كما في « الموطأ » ، أو بعد أربعين ليلة ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لها : « قد حللت فانكحي إن بدا لك » واحتجوا أيضا بقوله تعالى في آية سورة الطلاق [ 4 ] وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وعموم ( أولات الأحمال ) ، مع تأخر نزول تلك السورة عن سورة البقرة يقضي بالمصير إلى اعتبار تخصيص عموم ما في سورة البقرة ، وإلى هذا أشار قول ابن مسعود « من شاء باهلته ، لنزلت سورة النساء القصرى - يعني سورة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ [ الطلاق : 1 ] - بعد الطولى » أي السورة الطولى أي البقرة - وليس المراد سورة النساء الطولى . وعندي أن الحجة للجمهور ، ترجع إلى ما قدمناه من أن حكمة عدة الوفاة هي تيقن حفظ النسب ، فلما كان وضع الحمل أدل شيء على براءة الرحم كان مغنيا عن غيره ، وكان ابن مسعود يقول : « أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة » يريد أنها لو طال أمد حملها لما حلت . وعن علي وابن مسعود أن عدة الحامل في الوفاة أقصى الأجلين ، واختاره سحنون من المالكية فقال بعض المفسرين : إن في هذا القول جمعا بين مقتضى الآيتين ، وقال بعضهم : في هذا القول احتياط ، وهذه العبارة أحسن ؛ إذ ليس في الأخذ بأقصى الأجلين جمع بين الآيتين بالمعنى الأصولي ؛ لأنّ الجمع بين المتعارضين معناه أن يعمل بكلّ منهما : في حالة أو زمن أو أفراد ، غير ما أعمل فيه بالآخر ، بحيث يتحقق في صورة الجمع عمل بمقتضى المتعارضين معا ، ولذلك يسمون الجمع بإعمال النصين ، والمقصود من الاعتداد تحديد أمد التربص والانتظار ، فإذا نحن أخذنا بأقصى الأجلين ، أبطلنا
--> ( 1 ) وهو الذي روي في شأنه عن الزهري في الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة » قال الزهري : يرثى له رسول اللّه أن مات بمكة .